الروائي الدمشقي المغترب محمد صباح الحواصلي
يكتب عن التمازج الأسري بين الشرق والغرب
كتب الصحفي -عبدالله قطيني:
لعل ما كتبه القاص الدمشقي المغترب محمد صباح الحواصلي حول حالة التمازج الأسري والتي عاشها مابين انفتاح الغرب وستر وعبق الشرق، تعبر عن حالة من التوافق الجميل بين حضارتين عظيمتين، فوالده طبيب دمشقي معروف خريج ألمانيا ووالدته سيدة ألمانية عاشت بعد زواجهما في دمشق،ولم تتعارض ثقافتها الغربية وعاداتها مع عادات وثقافة مجتمعنا الشرقي ،فكل من في البيت يمارس طقوسه الاجتماعية بتوافق ناجح وبمحبة خالصة، وفيما يلي ما كتبه الاستاذ حواصلي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية:
“بيت العز
محمد صباح الحواصلي
في بيت أبي وأمي، سمعت قرآن الفجر وموسيقى “أيدل فايس” المشوبة بحس الوطن البعيد.. وسمعت فاغنر وموتسارت، وعبد الوهاب وأسمهان.. وعلى جدرانه آية قرآنية (وقولوا للناس حسنا) ولوحات فنية ورأس بيتهوفن فوق البيانو..
وأساس بيت أبي وأمي، مزيج من انفتاح الغرب وستر الشرق.. ففيه تحن سجادة الصلاة على منمنمات أمي في أركان غرفة الجلوس.
ومطبخ أمي مزيج من الذائقة الشرقية والذائقة الغربية، وكم من مرة شهدت عناق الحلوى الشامية للحلوى الألمانية. وفي مطبخنا لم أذق أطيب من “ألماسية” أمي وكعكة “(ففاكوخن) بطعم الزنجبيل.
في بيت أبي (السوري المسلم) وأمي (الألمانية البروتستانتية)، لا أذكر أنني سمعت جدلاً في الأديان أيهما أفضل، وأيهما يفضي إلى الجنة أو إلى النار، ولا أذكر أن أبي انتقد المسيحية، ولا أمي سخرت من شعيرة إسلامية. في بيتهما دُحِضَتْ مقولة الشاعر البريطاني كيبلينع: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏‏أشخاص يقفون‏ و‏بدلة‏‏‏‏
في بيتنا رأيت ضيوفَ أمي الألمان، ورأيت أصدقاء أبي من علماء دمشق وأطبائها..
في بيت أبي وأمي كنا نصلي جماعة، ولا نتغيب عن مائدة إفطار رمضان، وفيه كم حثتنا أمي أن لا نتخلف عن صلاة الجمعة، وفيه كنا نحتفل بعيد المولد النبوي ونوزع صرر الملبس، وبأعياد ميلادنا، وعيد الميلاد، وتنصب أمي في ركن من غرفة الجلوس شجرة الصنوبرالمنارة وتعلق عليها زينتها المعهودة.
وفي بيت أبي وأمي كان هناك كتب كثيرة، في اللغتين العربية والألمانية: إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، “زهر الآداب وثمر الألباب” للقيرواني، ديوان أحمد شوقي، وأعمال غوته، وأشعار هولدرلن، وروايات توماس مان.. وأطلس مصور فتح شهيتي باكراً على السفر والانطلاق، وعناق الدنيا وناسها.
وعندما رحل أبي سنة 1983 رحل بعض مني..
وعندما رحلت أمي عام 2006 رحل بعض آخر مني..
وعندما رحلت أنا عن الشام عام 1991 رحل مني الكثير..
وما بقي مني الآن من كلمات وأشواق وذكريات وأمنيات أهبه للوطن الجريح .. لبيت أمي وأبي هناك ..
وأهب نفسي للتراب هنا في غربتي”.
دنفر، كولورادو 21 كانون الأول 2013
( الصورة المصاحبة: أبي وأمي في مستهل الستينيات)