*بقلم الدكتور:سامي مروان مبيّض

كلما تواصلت مع أصدقاء في المغترب، قالوا لي بحسرةٍ أنّ الكثير من أولادهم يجدون صعوبة بالغة بالتحدّث باللغة العربية، أو أنهم لا يجيدونها أبداً نظراً لنشأتهم في مجتمعات غربية و دراستهم في مدارس أجنبية . بعضهم مغترب منذ عشر سنوات أو أكثر وقد بدأت هذه المشكلة تطفو وتكبر وتُقلق الكثير من الأباء، مع تقدّم أولادهم في السن، حيث بات الكثير منهم يخاطبون أهلهم باللغة العربية ولكن بأحرف لاتينية ، فتتحول “كيفك” إلى “kifak” وتصبح “صباح الخير”: Saba7 al-Kheir.
السنوات الماضية كانت صعبة جداً على الجميع بلا شك، والكثير من الأهالي لم ينتبهوا إلى هذه المُعضلة يوم وصلوا إلى بلادهم المُضيفة حيث كان همّهم الوحيد يومها إيجاد حياةٍ جديدةٍ مستقرةٍ لهم ولأبنائهم، دون التفكير بقضية اللغة. حتى أن البعض منهم وصل إلى شواطىء العالم الجديد كافرين بالعروبة ومشتقاتها، فأهملوا اللغة العربية عامدين، رابطين بينها وبين خيبات هذا المشرق.
ومع ذلك ، فإن تعلّم اللغة العربية في المغترب يحتاج إلى كلمة واحدة فقط لا غير وهي “القرار .”
مثله مثل تخفيف الوزن أو الإقلاع عن التدخين قد يتطلب المزيد من الوقت والجهد من الأهل ولكنه ممكن ومتاح.
والدليل هو أن بعض الأولاد العرب ولدوا وكبروا في المغترب، ولكنهم يتحدثون اللغة العربية بطلاقة. و قد يقول قائل أن قرار الإستثمار باللغة صعب جداً ومكلف، نظراً لسهولة التحدث باللغة الأجنبية لهؤلاء الأطفال، إما في المدراس أو في المجتمع، وضعف الأنترنت بمواد اللغة العربية مقارنة بالإنجليزية. فالعالم الجديد كله بالإنجليزية، بداية من الجامعات الكبرى مروراً بعالم المصارف والأعمال وصولاً إلى وسائل الترفيه كشبكة نيتفليكس.
و بذلك يجب أن تكون الخطوة الأولى هي التعامل مع اللغة العربية على أنها روح وهوية وليس مجرد قواعد وإعراب. على مدى عقود كانت طرائق تدريس هذه اللغة فظة للغاية في مدارسنا، دوماً بالإرهاب والتهديد والوعيد. في الماضي كانت عصى الكتّاب وفي عصرنا الحديث موجه اللغة العربية ومسطرته الغليظة. فصار الكثير منا ينظر إليها بكره برعب، نتجنبها إتقاء لشر تعقيداتها لكي لا نقع في أخطاء الضم والفتح والكسر. بينما كانت اللغة الإنكليزية اسهل وأسلس ، ليس فيها ضمير مستتر تقديره هو مثلاً، وكان إتقانها انفع لنا، لكونها مدخل الى عالم الاعمال والعلوم و التكنولوجيا.
شئنا أم أبينا، فأن أفضل مُعلّم للغة العربية هو البيئة الحاضنة للأطفال، الممثلة بالأسرة أولاً والحارة والحيّ، ثم المدرسة أو المؤسسات الدينية، المسيحية منها والإسلامية لاسيما القرآن الكريم وفي غياب هذه الخيرات لهؤلاء المغتربين، صارت المسلسلات السورية هي البديل الوحيد لأطفالهم، بكل أسف، بالرغم من أنها مدرسٌ فاشلٌ لا يعكس واقع وجمالية اللغة العربية.
في الماضي، كان الكثير من أولاد السوريين المغتربين يقضون إجازة الصيف في بلدهم الأم ، حيث لا مفر من استخدام اللغة العربية في التحدث مع جدتهم العجوز مثلاً، التي لا تتكلم إلا العربية، أو أولاد أعمامهم أو جيرانهم. ولكن ونظراً لظروف الحرب، بات هذا الأمر غير متاح لكثير من الأسر السورية اليوم.
البعض قد يقول: “وبالناقص من هاللغة…” متذرعاً بطلاقة لسان أولاده باللغات الإنكليزية والفرنسية أو الإسبانية. قد يكون هذا الأمر مبرراً لمن هجر المشرق العربي بقرار اللا عودة أبداً، ولكن ماذا عن مستقبل هؤلاء الأولاد، في حال قرروا العودة إلى هذه المنطقة للعمل أو العيش أو حتى للزيارة وقضاء إجازة صيفية في يوم من الأيام؟
كنا في الماضي نخاف من إندثار اللغة العربية الفصحى أو وأدها من قبل اللهجات العامية، ولكن المشكلة كبرت وصرنا مهددين اليوم بضياع العامية و اللغة الفصحى معاً. الهمّ كبير وحقيقي وشرعي للغاية، يستوجب دق ناقوس الخطر .

*مؤرخ وباحث دمشقي